ابن الجوزي

245

القصاص والمذكرين

آدم ! قد ذهب منك ما لا يرجع إليك وأقام معك ما سيذهب . يا ابن آدم ! أقصر عن تناول ما لا ينال ، وعن طلب ما لا يدرك ، وعن / ابتغاء ما لا يوجد ، واقطع الرجاء منك عمّا فقدت من الأشياء . واعلم أنه ربّ مطلوب هو شرّ لطالبه . يا ابن آدم ! إنّما الصبر عند المصيبة ، وأعظم من المصيبة سوء الخلف منها . يا ابن آدم ! فأيّ أيّام الدهر ترتجي ؟ أيوما يجيء في غرّة « 1 » أو يوما تستأخر عاقبته « 2 » عن أوان مجيئه ؟ ( فانظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام : يوم مضى لا ترجوه ، ويوم حضر لا بد منه ، ويوم يجيء لا تأمنه ) « 3 » . فأمس شاهد مقبول ، وأمين مؤد ، وحكيم « 4 » مؤدب « 5 » قد فجعك بنفسه ، وخلّف في يديك حكمته . واليوم صديق مودّع ، كان طويل الغيبة ، وهو سريع الظعن ، أتاك - ولم تأته - وقد مضى قبله شاهد عدل . فإن كان ما فيه لك فاشفعه بمثله . يا ابن آدم ! قد مضت لنا أصول عن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد أصله ؟ .

--> ( 1 ) حرفت هذه الجملة في الأصل إلى ( نحن في غيرة ) . والتصويب من « صفة الصفوة » . ( 2 ) حرفت هذه الكلمة في الأصل و « صفة الصفوة » إلى ( فيه ) . والتصويب من « الحلية » و « البداية والنهاية » . ( 3 ) سقط هذا الكلام الذي بين معقوفتين من الأصل ، واستدركته من « الحلية » . وقد جاء في « الحلية » : ( ويوم حضر لا تزيده ) . فرأيت رواية « البداية والنهاية » و « صفة الصفوة » أصح ، فأثبتها هذا وقد يحسن أن أورد الكلام كما ورد في الأصل : ( فأي أيام الدهر ترتجي ؟ أيوما نحن في غيره ؟ أو يوما تستأخره فيه إلى غيره عن أوان مجيئه فأمس شاهد مقبول ) وفيه نقص وخلل ، وبعد النظر الطويل والموازنة بين روايات أبي نعيم وابن الجوزي وابن كثير انتهيت إلى أن العبارة المذكورة أعلاه أقرب إلى الصواب . ( 4 ) في الأصل : حكم . والتصويب من « البداية » و « الحلية » و « صفة الصفوة » . ( 5 ) في الأصل : وارد . والتصويب من « البداية » .